القرطبي

402

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ) . أخرجه ابن ماجة في سننه . وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى . فلما استحر ( 1 ) فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما . وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الاسلام هي أفضل من التوبة . وقرأ قتادة : فأقيلوا أنفسكم من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل . قوله تعالى : " بارئكم " البارئ : الخالق وبينهما فرق وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث . والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال . والبرية الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز وقرأ أبو عمرو " بارئكم " بسكون الهمزة ويشعركم وينصركم ويأمركم . واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل وذلك في الشعر . وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الاعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا : إذا اعوججن قلت صاحب قوم * بالدو أمثال السفين العوم ( 2 ) وقال امرؤ القيس : فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل ( 3 ) وقال آخر : * قالت سليمى أشتر لنا سويقا * وقال الآخر : رحت وفي رجليك ما فيهما * وقد بدا هنك من المئزر

--> ( 1 ) استحز : اشتد وكثر . ( 2 ) الدو ( بفتح الدال وتشديد الواو ) : الصحراء . وأراد بأمثال السفين رواحل محملة تقطع الصحراء قطع السفن البحر . ( 3 ) المستحقب : المتكسب . والواغل : الذي يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم من غير أن يدعوه . يقول هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به فلما أدرك ثأره حلت له بزعمه فلا يأثم بشربها إذ وفى بنذره فيها .